السبت 2 مايو 2026 - 18:08
تقرير تحليليّ لوكالة أنباء الحوزة: كيف تسعى مراكز التفكير الغربيّة إلى السيطرة على ذهن الشابّ الإيرانيّ؟

وكالة الحوزة - تُبيّن وكالة أنباء الحوزة في تقريرٍ تحليليٍّ أنّ مراكز التفكير الغربيّة، من خلال الحرب المعرفيّة وبالاعتماد على الأدوات الإعلاميّة المؤثّرة، تعمل على النفاذ إلى فكر الشابّ الإيرانيّ والسيطرة على وعيه تمهيدًا لتوجيه منظومة معتقداته. ويعرض هذا التقرير بعض العناصر المكوّنة لهذه الاستراتيجيّات.

وكالة أنباء الحوزة - قد تغيّرت طبيعة الصراع في عصرنا الراهن من الجبهات العسكريّة الصلبة إلى الطبقات العميقة والخفيّة المرتبطة بالهويّة وصناعة الذائقة الثقافيّة الناعمة، ولذلك نشهد يومًا بعد يومٍ تزايد أهمّيّة الحرب المعرفيّة في الحقبة المسمّاة بعصر آخر الزمان.

نشاط العديد من مراكز التفكير التابعة لنظام الهيمنة ضدّ المجتمع الإيرانيّ

وفي هذا الصدد، تكتسي دراسة دور مراكز التفكير الغربيّة والأمريكيّة، بوصفها المصمّم الرئيس للحرب الناعمة، أهمّيّةً خاصّةً، ولا سيّما فيما يتعلّق بمجتمعنا الثوريّ؛ حيث ينشط حاليًّا - وفقًا لتعبير بعض الخبراء - أكثر من 50 مركز تفكيرٍ معاديًا ضدّ الثورة الإسلاميّة، ومن أبرز أنشطتها المحوريّة تلك المتعلّقة بعمليّات الحرب النفسيّة والمعرفيّة لاحتلال العقول والأفكار، وما يتبعه من تغييرٍ في منظومة المعتقدات والقيم لدى الجيل الإيرانيّ الجديد.

إنّ المهمّة الرّئيسة وغير المكتوبة أحيانًا للعديد من هذه المؤسّسات والمراكز، التي تتمتّع بميزانيّاتٍ ضخمةٍ لتحقيق برامجها، تتمثّل في تجاوز الحدود الأكاديميّة وتحويل المعرفة البحتة إلى أدواتٍ للنفوذ في أنماط الحياة والمنتجات الإعلاميّة، وصولًا إلى إحداث تغييرٍ تدريجيٍّ في القرارات السياسيّة الكلّيّة. فتسعى هذه المراكز، من خلال الدراسة الدقيقة للنسيج الاجتماعيّ والنفسيّ وتحليل المعايير الفكريّة والثقافيّة للمجتمع، إلى إحداث تحوّلٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ في المجتمعات المستهدفة من الداخل عبر السيطرة على العقول وإعادة تعريف القيم الأساسيّة للجيل الجديد.

ما هي المهمّة التي تضطلع بها مراكز التفكير الغربيّة!؟

وفي هذا السياق، صرّح الكاتب والباحث الثقافيّ «مجتبى خليليّ» بأنّه خلافًا للتّصوّر العامّ، وعلى عكس الجامعات التي تسعى غالبًا لاكتشاف الحقيقة في أبعادها العلميّة، تُعدّ مراكز التفكير جسرًا للتواصل بين المعرفة البحتة والقرارات السّياسيّة، ولذلك تُعتبر كياناتٍ ومؤسّساتٍ مسؤولةً عن أداء المهمّة، بمعنى أنّه إذا أمضى أستاذٌ جامعيٌّ ساعاتٍ طوالًا في النظريّات السوسيولوجيّة، فإنّ باحثًا في مركز تفكيرٍ مثل «مؤسّسة بروكينغز» يحوّل تلك النظريّات نفسها إلى أدواتٍ للتأثير في السلوك السياسيّ في بلدٍ مستهدفٍ. وفي الواقع، يقومون بإعداد وصفاتٍ جاهزةٍ ومختصرةٍ وعمليّةٍ للسياسيّين الذين قد لا يملكون الوقت الكافي لقراءة الكتب الضخمة، ليعرفوا بدقّةٍ المسار الذي يجب اتباعه والبرامج التي يجب تصميمها في نقطةٍ معيّنةٍ من العالم.

وأضاف السيّد خليليّ أنّ هذه المراكز قد تحوّلت خلال العقود الأخيرة من تصميم الخطط الحربيّة إلى تصميم أنماط الحياة وتغيير المعتقدات الثقافيّة، بعدما أدركت أنّ تحقيق الأهداف لم يعد محتاجًا إلى احتلال الأرض، وأنّ السيطرة على العقول أجدى وأنفع بكثيرٍ. ولذلك نرى اليوم أنّ المصمّمين الرئيسين للأزياء وأنماط الحياة وحتّى الأنماط السّلوكيّة في الشبكات الاجتماعيّة هم أنفسهم أولئك الاستراتيجيّون الذين كانوا قبل سنواتٍ يضعون الخطط لتحريك الدبّابات والمعدّات العسكريّة.

التعرّف على اهتمامات وأذواق الجيل الإيرانيّ الجديد

وتابع السيّد خليليّ مبيّنًا: يحتاج السياسيّون الغربيّون في أيّ تحرّكٍ ضدّ الثورة والنظام في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى تبريراتٍ نظريّةٍ وبياناتٍ ميدانيّةٍ. ومن هنا، تقوم مراكز التفكير، عبر الدراسة الدقيقة للنسيج الدينيّ واهتمامات الشّباب وحتّى أنماط الاستهلاك في إيران، بتحديد نقاط الضعف والقوّة في المجتمع. فعلى سبيل المثال، هذه المراكز هي التي تقترح على الحكومات أن تستثمر، بدلاً من المواجهة المباشرة مع إيران، في الفجوات الجيليّة أو التغيير التدريجيّ لقيم المجتمع، ولا سيما في الأبعاد الدينيّة والعقائديّة.

وأردف قائلًا: لهذا السبب، عندما نتحدّث عن تغيير نمط الحياة، لا ينبغي أن نتصوّر أنّ هذا الأمر يحدث بشكلٍ مفاجئٍ أو بأمرٍ مباشرٍ، بل إنّ مراكز التفكير الغربيّة، مستعينةً بعلم النفس الاجتماعيّ، تقوم أوّلًا بإنتاج الأفكار النظريّة. فعلى سبيل المثال، عندما تؤكّد مقالةٌ استراتيجيّةٌ على أهمّيّة الفردانيّة المفرطة، تتسرّب هذه الفكرة فورًا إلى الطبقات الفنّيّة والإعلاميّة. فيقوم مصمّمو الأزياء والملابس، بناءً على هذه الروح، بالترويج لزيٍّ يمثّل رمزًا للابتعاد المطلق عن الأسرة والتقاليد.

كسر الحواجز الأخلاقيّة عبر تطبيع تجاوز الخطوط الحمراء

ومن جانبها، رأت الدكتورة السيّدة فاطمة سيّدمُدلّل‌كار، الأستاذة في الحوزة والجامعة، أنّ جزءًا مهمًّا من نشاط هذه المراكز يتركّز على تطبيع تجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقيّة. فهم يعلمون جيّدًا أنّ الهجوم المباشر على المعتقدات الدينيّة ينتج نتائج عكسيّةً، ولذلك ينتهجون استراتيجيّة التغيير التدريجيّ للحدود. وفي هذا الأسلوب، يتمّ تقديم السلوكيّات التي كانت تُعتبر شاذّةً في المجتمع الإيرانيّ سابقًا، في قالب أعمالٍ فنّيّةٍ أو منتجاتٍ بصريّةٍ بوصفها خياراتٍ جذّابةً ومختلفةً.

وأضافت الدكتورة: إنّ التكرار المستمرّ لهذه الصور في وسائل الإعلام يؤدّي مع مرور الزمن إلى خفض الحساسيّات الذهنيّة لدى المجتمع. وتدرك مراكز التفكير، من خلال تحليل البيانات السلوكيّة، الوقت المناسب للانتقال من مرحلة التقديم إلى مرحلة التثبيت. وبهذا يصبح المراهق والشابّ المسلم والشيعيّ الإيرانيّ متقبّلًا تدريجيًّا لأنماطٍ تتعارض مع هويّته من غير أن يشعر بحدّة المواجهة.

استراتيجيّة النفوذ الناعم وتوظيف القوّة الذكيّة

وأوضحت الدكتورة سيّدمدلّل‌كار أنّ مركز «بروكينغز» يحتلّ موقعًا خاصًّا بين مراكز الدراسات الغربيّة؛ لأنّه، بخلاف المؤسّسات التي تصرّ على المواجهة الصلبة، يتخصّص بروكينغز في تصميم المسارات التي تُعرف باسم القوّة الذكيّة. فهذا المركز، الذي يمتدّ تاريخه لأكثر من 100 عامٍ، يستثمر في تغيير الهياكل الاجتماعيّة والفكريّة للبلدان المستهدفة بدلًا من التركيز على الخيارات العسكريّة. ويساعدنا فهم استراتيجيّات هذا المركز على معرفة كيفيّة تسلّل دور مراكز تفكير العدوّ في الحرب الناعمة من غرف التفكير إلى داخل البيوت وعقول الشباب.

ومضت قائلةً إنّ أحد أكثر التقارير تأثيرًا وأهمّيّةً لهذا المركز، هو وثيقةٌ شهيرةٌ بعنوان "أيّ طريقٍ نحو إيران؟". وهذه الوثيقة التي أُعدّت قبل سنواتٍ، لا تزال تشكّل الأساس للعديد من القرارات الدّبلوماسيّة ضدّ إيران. وقد درس مؤلّفو هذا التقرير بدقّةٍ عاليةٍ الخيارات المختلفة، بما في ذلك الهجوم العسكريّ، ووضع العقوبات، وتغيير النظام، وخلصوا في النّهاية إلى أنّ الطريق الأكثر فاعليّةً هو مزيجٌ من الضغوط الاقتصاديّة ودعم التيّارات الفكريّة المتوافقة معهم داخل البلاد. وتظهر هذه الوثيقة أنّ العدوّ يمتلك رؤيةً طويلة الأمد لتحقيق أهدافه، ويفضّل الاستثمار في تغيير الذائقة السياسيّة والاجتماعيّة لكي يشهد البلد تحوّلًا من الداخل، بدلًا من تحمّل التّكاليف الباهظة للحرب.

التركيز على أزمة الهويّة والازدواجيّة الثقافيّة

وفي ختام تصريحاتها، قالت إنّه من ناحيةٍ أخرى، تسعى مثل هذه المراكز وغرف التفكير، من خلال الترويج لمفهوم "المواطنة العالميّة"، إلى تقديم الانتماءات الوطنيّة والدينيّة كمفاهيم قديمةٍ ومقيّدةٍ. وفي هذا النموذج، يُصاب المراهق والشابّ في المجتمع بحيرةٍ ثقافيّةٍ؛ فهو من جهةٍ ينمو في بيئةٍ ذات قيمٍ تقليديّةٍ، ومن جهةٍ أخرى، يواجه عبر وسائل الإعلام الحديثة والشّاشات الرّقميّة، رسائل تدفعه باستمرارٍ نحو الفردانيّة المفرطة والحياة الغربيّة. وتؤدّي هذه الازدواجيّة إلى ألّا يشعر الفرد بالراحة التامّة في أيٍّ من هذين العالمين. ونتيجة هذه العمليّة هي اللجوء إلى هويّاتٍ افتراضيّةٍ ومؤقّتةٍ صمّمتها غرف التفكير ذاتها بهدف إضعاف التماسك الفكريّ للجيل الجديد.

إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha