الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 - 21:03
من وصايا الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام

وكالة الحوزة - يوافق الخامس والعشرون من شهر المحرم الحرام الذكرى الأليمة لاستشهاد الإمام زين العابدين عليه السلام، وبهذه المناسبة نسلّط الضوء على بعض وصايا هذا الإمام الهمام (ع).

وكالة أنباء الحوزة - من الوسائل التي اتبعها أئمتنا عليهم السلام للنهوض بالمجتمع هي وصاياهم الكثيرة، الحافلة بالإرشاد والتوجيه للأمة، ولو جُمعت هذه الوصايا في مصنف مستقل لسدّت فراغاً كبيراً في المكتبة الأخلاقية، لما حوته من نصائح وحكم ودعوة إلى الخير والفضيلة. وفي هذه الصفحات بعض ما ورد من وصاياه عليه أفضل الصلوات:

١- من وصية له عليه السلام لابنه الإمام الباقر عليه السلام:

«يا بنيّ، انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق». فقال: يا أبتِ من هم؟ عرّفنيهم.

قال: «إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب، يقرّب البعيد، ويبعّد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق، فإنه بايعك بأكلة أو أقل من ذلك. وإياك ومصاحبة البخيل، فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع:

قال الله عز وجل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣].

وقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].

وقال في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]». (١)

٢- من وصية له عليه السلام لبعض أصحابه:

قال أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول لأصحابه: «أحبّكم إلى الله أحسنكم عملاً، وإنّ أعظمكم فيما عند الله رغبةً، وإنّ أنجاكم من عذاب الله أشدّكم خشيةً لله، وإنّ أقربكم من الله أوسعكم خلقاً، وإنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لله تعالى». (٢)

٣- من وصية له عليه السلام أوصى بها الزهري:

قال الإمام الباقر عليه السلام: دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين عليه السلام وهو كئيب حزين، فقال له: «ما لك مغموماً؟»

قال: يا ابن رسول الله، هموم وغموم تتوالى عليّ لما امتُحنت به من جهة حسّاد نعمتي، والطامعين فيّ، وممن أرجوه، وممن أحسنت إليه فيختلف ظني.

فقال له علي بن الحسين عليه السلام: «احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك».

فقال الزهري: يا ابن رسول الله، إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي.

فقال عليه السلام: «هيهات هيهات، إياك أن تعجب من نفسك بذلك، وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل ما تسمعه شراً يمكنك أن توسّعه عذراً».

ثم قال: «يا زهري، مَن لم يكن عقله مِن أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه. يا زهري، أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك؟ فأيّ هؤلاء تحب أن تظلم؟ وأيّ هؤلاء تحب أن تدعو عليه؟ وأيّ هؤلاء تحب أن تنتهك ستره؟

وإن عرض لك إبليس لعنه الله فضلاً على أحد من أهل القبلة، فانظر: إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني. وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني. وإن كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي ومن شكّ من أمره، فما لي أدع يقيني لشكي؟

وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا فضل أخذوا به. وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضاً فقل: هذا لذنب أحدثته. فإنك إن فعلت ذلك سهّل الله عليك عيشك، وكثر أصدقاؤك، وقلّ أعداؤك، وفرحت بما يكون من برّهم، ولم تأسف على ما يكون من جفائهم.

واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فائضاً، وكان عنهم مستغنياً متعففاً. وأكرم الناس بعده عليهم من كان مستعففاً وإن كان إليهم محتاجاً، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتعقبونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيها ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم». (٣)

٤- من وصية له عليه السلام لأصحابه:

عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام لأصحابه: «أوصيكم إخواني بالدار الآخرة ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون، وبها متمسكون. أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين؟ فإنه قال: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً؟ تلكم دار الدنيا فلا تتخذوها قراراً». (٤)

٥- قال الإمام الباقر عليه السلام: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول لولده:

«اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جدّ وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير. أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله عز وجل صادقاً، ولا يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كاذباً». (٥)

٦- وصيته عليه السلام لسائر أصحابه وشيعته، وتذكيره إياهم كل يوم جمعة:

«أيها الناس، اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه.

ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه! أن أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يدركك، فكأن قد أوفيت أجلك، وقد قبض الملك روحك، وصيّرت إلى قبرك وحيداً، فردّ عليك روحك، واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك.

ألا وإن أول من يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيت، وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته.

فخذ حذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار. فإن تك مؤمناً عارفاً بدينك، متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب، وبشرت بالجنة والرضوان من الله، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان. وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضت حجتك، وعييت عن الجواب، وبشرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم.

واعلم يا ابن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب: يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، يوم ينفخ في الصور، ويبعثر فيه القبور، وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ من أحد فدية، ولا تقبل من أحد معذرة، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات. فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده.

فاحذروا أيها الناس من الذنوب ما قد نهاكم عنها وحذركموها في الكتاب الصادق والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتدميره عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].

وأشعروا قلوبكم خوف الله، وتذكروا ما وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوّفكم من شديد عقابه، فإنه من خاف شيئاً حذره، ومن حذر شيئاً تركه. ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا الذين مكروا السيئات، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٥-٤٧].

فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في كتابه. لقد وعظكم الله بغيركم، وإن السعيد من وُعظ بغيره. ولقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١]. وقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] يعني يهربون. قال: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]. فلما أتاهم العذاب: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤].

فإن قلتم أيها الناس: إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذاك وهو يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؟

اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، ولا تنشر لهم الدواوين، وإنما يحشرون إلى جهنم زمراً. وإنما تنصب الموازين وتنشر الدواوين لأهل الإسلام.

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الله لم يحب زهرة الدنيا لأحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها، فإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملاً لآخرته. وأيم الله لقد ضربت لكم فيه الأمثال، وصرفت الآيات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون ولا قوة إلا بالله.

وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من عاجل الدنيا، فإن الله يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].

فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا، فإن الله قال لمحمد صلى الله عليه وآله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة، ومنزل بلغة، ودار عمل. فتزودوا الأعمال الصالحة قبل تفرق أيامها، وقبل الإذن من الله في خرابها، فكأن قد أخبرها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها.

وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى والزهد في الدنيا، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل هذه الحياة الدنيا، الراغبين في آجل ثواب الآخرة، فإنما نحن له وبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». (٦)

من وصاياه

دخل جماعة على الإمام زين العابدين عائدين له فقالوا: كيف أصبحت يا ابن رسول الله فدتك أنفسنا؟ قال عليه السلام: «في عافية والله المحمود على ذلك». ثم قال لهم: «كيف أصبحتم جميعاً؟» قالوا: أصبحنا لك والله يا ابن رسول الله محبين وادّين. قال عليه السلام: «من أحبنا لله تعالى أدخله الله ظلاً ظليلاً يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافاه الله عنا بالجنة، ومن أحبنا لغرض دنيا أتاه رزقه من حيث لا يحتسب».

ومما أوصى به ولده:

قال لهم: «إذا أصابتكم مصيبة أو نزلت بكم فاقة فليتوضأ الرجل ويحسن وضوءه ويصلّ أربع ركعات أو ركعتين، وبعد الفراغ يقول: يا موضع كل شكوى، يا سامع كل نجوى، يا شافي كل بلاء، ويا عالم كل خفية، ويا كاشف ما يشاء، يا نجي موسى، ويا مصطفي محمد، يا خليل إبراهيم، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته، دعاء الغريب والغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما فيه إلا أنت، يا أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قال عليه السلام: من أصابه البلاء ودعا بهذا الدعاء أصابه الفرج من الله تعالى».

وقال عليه السلام: «يا بني، أخذ بيدي جدي وقال: يا بني، افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن أهله كنت أهله. وإن شتمك رجل وتحوّل إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل منه».

وقال عليه السلام لبعض ولده: «إن الله تعالى رضيني لك، ولم يرضك لي وأوصاك بي ولم يوصني بك، فعليك بالبر تحفة يسيره».

وقال عليه السلام: «يا بني، اصبر على النوائب، ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك. وإياك ومعاداة الرجال، فإنها لن تعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم».

وقال عليه السلام لأبي جعفر الباقر عليه السلام: «أوصيك بما أوصاني به أبي عليه السلام: اصبر على الحق وإن كان مراً، وافعل الخير إلى كل من طلبه منك، واشكر الله فيما أنعم عليك وأنعم على شكرك، فإنه لا زوال للنعمة إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت. والشاكر بشكره أسعد منه بالنعمة التي وجب عليه الشكر لها». ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].

وفي أيام مرضه جمع أولاده محمداً والحسن وعبد الله وزيداً والحسين، وأوصى بالإمامة إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام وقال له: «بنيّ، العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والعقل ترجمان العلم. واعلم أن العلم أبقى واللسان أكثر هذراً. وإن صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين، بهما إصلاح شأن المعائش: ملء مكتال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل، لأن الإنسان لا يتغافل عن شيء قد عرفه ففطن له. واعلم أن الساعات تذهب عمرك، وإنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى. وإياك والأمل الطويل، فكم من مؤمّل أملاً لا يبلغه، وجامع مال لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه ومن حق منعه، أصابه حراماً وورثه، واحتمل أصره وباء بوزره، وذلك هو الخسران المبين».

وحدّث الزهري أنه دخل على زين العابدين أيام مرضه فقدم إليه طبق فيه هندباء فقال عليه السلام له: «كل منه، إنه الهندباء، وما من ورقة إلا وعليها قطرة من ماء الجنة، وفيه شفاء من كل داء». وجيء إليه بدهن البنفسج فقال عليه السلام: «فضله على الأدهان كفضل الإسلام على الأديان». ثم دخل عليه أبو جعفر الباقر فجعله يساره طويلاً، فسمع يقول له: «عليك بحسن الخلق». قال الزهري: فوقع في نفسي أنه نعى نفسه، فقلت له: يا ابن رسول الله، إن وقع من أمر الله ما لا بد لنا منه فإلى من نختلف بعدك؟ قال عليه السلام: «يا أبا عبد الله، إلى ابني هذا» وأشار إلى محمد الباقر عليه السلام «فإنه وصيي ووارثي وعيبة علمي، هو معدن العلم وباقره». قلت: يا ابن رسول الله، ما معنى باقر العلم؟ قال عليه السلام: «سوف يختلف إليه خلص شيعتي فيبقر العلم عليهم بقراً». قلت له: هلا أوصيت إلى أكبر ولدك؟ قال: «يا أبا عبد الله، ليست الإمامة بالكبر والصغر، هكذا عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله، وهكذا وجدناه مكتوباً في اللوح والصحيفة». قلت: يا ابن رسول الله، كم عهد إليكم نبيكم أن يكون الأوصياء بعده؟ قال عليه السلام: «وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر اسماً مكتوبة إمامتهم وأسماء آبائهم وإمامتهم». ثم قال عليه السلام: «يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي عليه السلام».

وقال عليه السلام لأبي جعفر: «إني حججت على ناقتي هذه عشرين حجة لم أقرعها بسوط، فإذا نفقت فادفعها لا يأكل لحمها السباع، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة وبارك في نسله». فلما نفقت دفنها أبو جعفر الباقر عليه السلام.

وقال عليه السلام له: «أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وإن أباه أوصاه به: اجتناب ظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله». ثم أخرج سفطاً وصندوقاً وأمر أبا جعفر الباقر عليه السلام بحمله إليه. ولما طلب منه بعض أخوته الميراث مما فيه قال له: «لم يكن فيه مما ترثونه، إن فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وألواح موسى عليه السلام وعصاه وخاتم سليمان بن داود عليه السلام والطست الذي كان موسى يقرّب فيه القربان والاسم الأعظم الذي عند رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا أراد أن لا يصل إلى المسلمين من المشركين نشابة وضعه بينهم، والتابوت الذي جاءت به الملائكة. وإن مثل السلاح فينا مثل السلاح في بني إسرائيل، فمن وقف التابوت على باب دارهم أوتوا النبوة، فكذلك السلاح في أهل البيت، فمن كان عنده أوتي الإمامة. وإن الدرع الذي يلبسه رسول الله صلى الله عليه وآله يكون على كل إمام بلا زيادة ونقصان. وإن صاحب هذا الأمر لو أراد أهل السماء والأرض أن يحوّلوه عن موضعه الذي وضعه الله لما استطاعوا».

وقال لأبي جعفر عليه السلام: «يا بني، إذا متّ فلا يلي غسلي غيرك، فإن الإمام لا يلي غسله إلا الإمام مثله يكون بعده».

وفي الليلة التي قبض فيها عليه السلام أخبر من كان عنده بأن هذه الليلة هي التي قدر الله فيها الرحالة إلى جوار قدسه، وأغمي عليه ثلاث مرات، قرأ بعد المرة الأخيرة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] و﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤].

وهذه الإغماء منه من جهة توجهه بكليته إلى الدرجات العالية وانغماره في عالم الملكوت ومشاهدته ما أعد الله له من أنواع الكرامة والنعم، فناسب ذلك تلاوة سورة الواقعة والفتح المبين، ومن هنا عقّبه بقوله: «الحمد لله الذي صدقنا وعده».

الهوامش

١- أصول الكافي، ج ٢، ص ٦٤١؛ صفة الصفوة، ج ٢، ص ٥٦ بلفظ مقارب.

٢- زين العابدين للمقرم، ص ١٤١.

٣- زين العابدين للمقرم، ص ١٧٦.

٤- إرشاد القلوب، ص ١٧٨.

٥- تحف العقول، ص ١٨٢.

٦- زين العابدين لسيد الأهل، ص ٦٠.

المصدر: موقع التبيان

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha

التعليقات

  • Ihsan Muhammed IQ 10:59 - 2026/09/21
    عذرا : في الفقرة الأولى : ارجو إعادة كتابة الآية الكريمة التالية بشكل صحيح: بسم الله الرحمن الرحيم *فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)*
    جواب الموقع:

    السلام عليكم؛ شكرًا لكم، تمّ التصحيح.