Wednesday, November 14, 2018
رمز: 352940     تاریخ النشر: Monday, February 5, 2018-8:00 PM     التصنيف: تقارير

خيوط من شمس جماران
وكالة الحوزة- إن تاريخ المصلحين الاستثنائيين يزخر بجوانب تلعب دورا في صيرورتهم مركز اهتمام بشكل عام، وللبعض منهم مركز جذب وتأثير من نوع خاص، وإن بصورة متفاوتة على شخص وآخر، هذا هو حالي مع من وصل إلى أعلى درجات الخصوصية، وكان قدوة لجميع الأطياف، وامتاز بالحصول على الدرجة الكاملة من الجذب والسحر.

وكالة أنباء الحوزة- إن تاريخ المصلحين الاستثنائيين يزخر بجوانب تلعب دورا في صيرورتهم مركز اهتمام بشكل عام، وللبعض منهم مركز جذب وتأثير من نوع خاص، وإن بصورة متفاوتة على شخص وآخر، هذا هو حالي مع من وصل إلى أعلى درجات الخصوصية، وكان قدوة لجميع الأطياف، وامتاز بالحصول على الدرجة الكاملة من الجذب والسحر.

برغم حصار الفكر أشرقت الروح

لمّا أشرقت الروح، وأخذ سليل المصطفى، ورافع لواء الدين المرتضى حقه ضمن ساحة شعوري، وأفكاري، وفي محيط وأجواء ملبدة ترعرعت فيها، واقعها لشد ّما يفتقد النضج والرشد.. مجتمع يعيش الحرمان، وأي حرمان هو أسوأ من حرمان أمة ما، أو مجتمع أو مجموعة، بل حتى فرد ضمن الجماهير، من معرفة هدفه، وصالحه، فضلا عن السبيل الأمثل للوصول إلى الغايات التي يأمل تحقيقها لنفسه، وشعبه.

قبال حالة من هذا النوع، واللوثات الفكرية، والإرهاب الممارس لإيقافك عن تفكيرك وتحليلك الحر، يحتاج المتلهف للانعتاق إلى مناخ جديد، وشيء مختلف، ويهتف في داخله نداء العالم بما صنع وركب (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..) وعلى الرغم من ارتباطات الأعمال، وتعلقات الأوساط المتعددة؛ فإنني كنت محتاجا لتغيير الهواء المستنشق، ولو بنزهة تضيف إلى ابتهاج الذات بما بصرت به: انتعاشة تمدك بالحيوية، غيبة قصيرة لا تعدم الخطة والهدف.

من هنا جاءت زيارتي قبل سنوات إلى لبنان الجميل، زائرا معالم الانتصار على إسرائيل في الجنوب، وبعض الأصدقاء في البقاع اللبناني، تجربة حزب الله المنتصر، الذي أسس له الإمام الخميني ألهمتني، كما تركت أثرها على الفلسطينيين وأهل المقاومة خاصة.

وفي المقال التالي (خيوط من شمس جماران) بعض إجابة للأصدقاء المستعجبين أمري، فأنا الآتي من بيئةٍ، سلاح الإلغاء والتكفير وهجر المبتدع، مشرع فيها، مع ذلك تشدني سيرة الإمام الخميني، ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وعندما سألت عن ذلك، لا أدري أي شيء جعلني استحضر مغادرتي المدرسة صبيا، متوقفا لدى كشك بائع الصحف، مستغرقا ناظرا إلى الصورة المكبرة على غلاف المجلة للشيخ الفارسي بعينيه الملونتين، ونظرته الحانية الهائمة في عالم آخر، عالم لعلنا لم نكتشف سره بعد، شددت دون وعي نحو العينين الآسرتين، ولم انتبه من غفلتي إلا على صوت صاحب الحانوت ينهرني، فقد أطلت النظر على ما يبدو.

واليوم هذه الكلمات بمثابة بعض الإجابة، ولعل عيون القلب التقطت بفضل الرحمة الإلهية إشارات الهداية، وتأثرت بخيوط الأشعة الذهبية المنبثقة من شمس جماران، فذاك الكيان الفاني في محبوبه الأوحد، كل ذرة فيه دعوة للهداية والسكينة.

أليس هو القائل:

سَلْ سبيل العُشّاقِ كم شربوا الكأس دِهاقا ممزوجةً سلسبيلا؟

هوَ مُسكِرُ مُغيِّبُ أم أغاني في فمي الحور، بُكرةً وأصيلا؟

نشوة... صحوة في عيون الغيب جلّلت أسرارها تفصيلا؟

إنَّ يومًا في العشقِ أحلى مذاقا من نعيم الخالدين، دهرا طويلا..

من مواقف العز والشجاعة

على ما حدثني به سماحة حجة الإسلام داود زارع، نقلا عمن شهد الحادثة، فإن شاه إيران المقبور، وفي الوقت الذي كان  تأثير آية الله الخميني يزداد شيئاً فشيئاً سأل بعض مساعديه: من يكون هذا الروحاني الذي ملأ الدنيا ضجيجا؟ فأجابه أحدهم: هو ذلك السيد الذي بقي من بين جميع الحضور جالسا ولم يعتن بالوقوف يوم جئت إلى قم المقدسة زائرا.

ولك عزيزي القارئ أن تتأمل وأنت تقف خاشعا تلك اللوحة النادرة حيث لا يعنى دخول (شاهنشاه)! إلى المجلس الذي يتواجد فيه هذا السيد شيئا بالنسبة له، ولا يحرك فيه ساكنا، ولعلنا في هذه العجالة وبالقلم الكسير نحيط بنزر يسير من البحر الزخّار الذي تكتنزه نفس الإمام العاشقة, وهو الإلهي الذي قلب كل المعادلات, وجسد القيم الإسلامية المختنقة في بطون المصنفات تجسيدا حيا أخّاذا على الأرض، ينطلق نورها في الأرجاء كل حين بإذن ربها.

شغفت بهذا العارف الفريد، وبدأت أتتبع كل ما كتبه وكتب عنه، ويبدو من سيرته ومنهجه كون فكرة التصدي للظالمين وناهبي الشعوب، ابتداء بمواجهة طغيان الشاه قد تبلورت منذ بواكير حياته إلا إن نشاطه السياسي قد بدأ علنا بعد نشر كتابه كشف الأسرار عام 1944 حيث تضمن تنبيهات وإرشادات يوضح فيها تأزم الأوضاع أكثر من السابق داخل ايران بما يصب في خدمة أمريكا واسرائيل، ما أثار غضبه وغيرته على شعبه، ووقوفا في صف كل المستضعفين في العالم.

يذكرك بالله حاله

لا نجانب الصواب إذا قلنا بان أرجل العقل عرجاء, وهي تسير نحو ساحة كنه السيد الخميني، ولعل أجنحة الحب تفي باليسير فقط ، وهذه الثورة إذا ذكرت فلابد إن تقترن باسم القائد، والملهم لمسيرتها ومن دونه فإنها تفتقد معناها وجوهرها، ولما كانت الخطوات والإنجازات الثورية بإشراف وعناية الإمام, وهو الفقيه المجاهد العاشق للمحبوب الأوحد فان الحدث كان الأهم من بين أحداث القرن المنصرم، وفرق بين الحدث والحادث فما أكثر الحوادث، وأقل الأحداث: الثورة التي فرملت المخططات، ودقت جرس الإنذار محذرة من تمادي الشياطين الكبيرة والصغيرة، حيث كان المخطط؛ أن يدخل الجميع في العصر الصهيوني.

لقد كانت حركة الإمام(قده) تستلهم من توصيات الإسلام المحمدي الأصيل, ومع أن الإمام كان مدرسة في السياسة؛ ولكنه من القلة القليلة الذين لم يلحظ على حركتهم، انفصاما بينها وبين أيديولوجيتها، وكون هذه المنظومة الفكرية إسلامية أخلاقية وتأكيده - رضوان الله تعالى عليه – ((بأن السياسة عين الديانة والديانة عين السياسة)) فلا مقارنة بين آرائه وقراراته، وبين أساليب أولئك السياسيين الحذاق, ولأجل ذلك لم يكن النصر، بل وكل مظاهر الظفرالمؤزر والأوحدية، لتبعث الزهو في نفسه، وكذا فان الخسائر الظاهرية لم تكن تحد من حركته ونشاطه، ويمكننا القول: إن ذات وجوده بين محبيه وعشاقه أفضل دعوة إلى القيم الرفيعة، لقد كان (رحمة الله عليه) بحرا خلقيا يجوب عبابه في الأرض، ومصداقا للقول المأثور: ((يذكرك بالله حاله ويدلك على الله مقاله)) وفي أحرج لحظات الأمة وأخطرها كان ظهور الإمام بوجه مطمئن على الشاشة الصغيرة كفيل ببعث الحياة في الأوصال من جديد - وأي حياة مفعمة- في ظل قيادته الآسرة عليه الرحمة والرضوان.

معجزة القرن العشرين

العديد من كبار السياسيين والنخب المعتبرة من الغرب والشرق وصفوا ما حدث في إيران بأنه معجزة بكل المقاييس: فمهما تكن الجهود، يصعب عليك أن تنظم الجماهير الثائرة بالشكل الذي رأيناه من الانسجام، ووحدة الهدف، على أقل تقدير.

وهنا، لم يغفل الإمام عن التنبيه إلى الإمداد الغيبي، والعناية الإلهية، يقول (رضوان الله تعالى عليه):1 ((عندما كنت في باريس جاءني شخص وقال: حين كنت في إيران ذهبت إلى قرى منطقة (جابلق وكمره) - وهي منطقة اعرفها- وذكر مكانا سبق أن ذهبت إليه قال: عندما كان يحين الصباح في تلك المنطقة كان أحد الملالي يتقدم ويتبعه الناس في تظاهرات, وأضاف، ذهبت إلى قرية (حسن فلك) هي قرية صغيرة، ورأيت الناس يقولون ما يقول أهالي طهران, فأصبح لدي أمل في أننا منتصرون إن شاء الله.

وحين يقوم الشعب بثورة بهذا الشكل فإن في هذا الأمر يد غيبية، ولا يمكن أن يحصل ذلك بالتبليغ، وصعود المنبر من قبل الملالي.. كانت تلك قضية شاء الله أن تحصل، وقد انتصرنا ولله الحمد، وآمل أن نستمر في الانتصار حتى النهاية)) اهـ.

نكران الذات ومصلحة المجموع

إن عمليه بسيطة في استقراء وتتبع مواقف الإمام، وسلوكه الشخصي تفصح عن العظمة المكتنفة بين جنبات هذا المتأله الاستثنائي، لنراقبه يوم استشهاد نجله مصطفى، وهو قرة عينه، والذي كان أملا للإسلام على حد تعبيره رضوان الله عليه – الإمام ورغم الحدث الجلل يواصل برامجه المتعلقة بخدمة المؤمنين وبشكل اعتيادي، وفى يوم العزاء يرسل أحد مرافقيه، ويبعث معه مساعدة إلى أحد الفقراء كان قد وعده بها، وسماحته حتى في أعظم لحظات مصابه لا ينسى المحتاجين، وحول هذا المضمون يقول (قده): ((عندما نكون مصابين بكوارث، ومصائب أعظم وأكبر، علينا أن ننسى ونترك مصائبنا الخاصة والطفيفة)) ويعتبر أن الحدث هو من ألطاف الرب الخفية، وقد كان استشهاد نجله السيد مصطفى صاعقا من صواعق التفجير للثورة الإسلامية في إيران.

وفي أواخر حكم الشاه، اقترحوا على الإمام الكثير من الأمور، ومنها: الرجوع إلى فتاواه، ومنع كل ما يحرمه، محاكمة الأشرار، لكنه رفض ذلك، وأصر على تشكيل النظام الجديد اللاشرقي واللاغربي2.

الإمام (رحمة الله عليه) كان منسلخا من ذاتيته، ومتجردا عن أناه.. فقد كانت اقتراحهم بمقاييس السياسيين المتنفعين فرصة ذهبية, صحيح أن مجرد العرض عليه يعنى ضعف النظام في إيران آنذاك، إلا أن نجاح الثورة ما زال مشكوكا لاعتبارات كثيرة، وكان بإمكان الإمام وقتها أن يوافق ليصبح الأوحدي، والزعيم الأبرز للمسلمين الشيعة في كل العالم، لكن أهداف الإمام، واعتقاده أن الذي يقوم به هو تكليف تقتضيه شرائع السماء الأصيلة غير المحرفة في مواجهة الظالمين, والتوطئة لدولة العدل العالمية، كل ذلك أعمى بصره عن العروض الزائلة، وهو القائل: (( لست من نسل النبي (صلى الله عليه وآله) إن لم اطرد الشاه المتصهين من إيران)).

وعادت أيام الوصال

دب اليأس إذا في قلب (ملك الملوك!) بعد أن قتل الآلاف, وجنت يداه أبشع الجنايات، التي لم تلن من عزيمة الأمة الإيرانية، ليس هذا فقط فالثورة التي زرع بذارها سيد القلوب، تكبر، وتنمو، ويستجيب المستضعفون، ويبذلون الغالي والنفيس، وامتدت الانتفاضات من مدينة إلى أخرى، وهناك في إحدى ضواحي عاصمة الأضواء (باريس) بقي إمام المستضعفين المنفي هناك، ثابتا يزداد قوة وعزما يستمده من إيمانه العميق بعلة الوجود، الأمر الذي ادخل الحسرة إلى قلب الشاه فلم يكن من خيار أمامه سوى الفرار على عجل رغم بقاء عملائه في البلاد متهيئين للقمع والتصدي، ومحاولة منع القائد المظفر من العودة بإغلاق المطارات، والتهديد بتفجير الطائرة 3، فكان رده بالإصرار على العودة رغم كل شي! لقد صلى ركعتي الشهادة في الطائرة، لكن الله حرسه من مكرهم، وكان الملايين من العشاق محتشدين للاستقبال اللائق، وساعة اللقاء انسابت من فم الحبيب للمحبوب أعذب العبارات وراح يردد: ((الهي أنت الذي مننت علينا، ونصرتنا في هذا اليوم على أعدائك، وأخذت بيد هذا الشعب المظلوم, وانتشلته بعنايتك من لجة السقوط في جهنم العالمين، وأوصلته إلى القمة)).

و جاء الرد المليوني.. الله اكبر.. خميني رهبر(قائد).. يهز الأركان، وأعلن 11/2/1979 يوما لبزوغ شمس الإسلام من جديد.

حسين العصر وكربلاء المعاصرة

لما كانت كربلاء الجهاد, قصة التفاني والإيثار هي ذروة المواقف التضحوية في نصرة الإسلام وقيم الحق، استحقت بذلك أن تكون الملهم لحركة الإمام , بل أكد الإمام أن كل الإنجازات هي من كربلاء ...من يوم عاشوراء، وكان البعض يظن أنه - رحمه الله - لعله يبالغ أو يجامل الأكثرية الهادرة من شعبه؛ إلا انه بعد ذلك اتضح دور استثمار الذكرى بحكم كونها صراعا بين جبهتين: (الحق والباطل) في تحريك الناس نحو الإنجازات الواعية، وإيقاظ الهمم, الثورة الإسلامية في إيران بدأت بأجواء كربلائية وانتصرت في أجواء كربلائية، وهل يا ترى امتد هذا التأثير؟ الذي أتقن الإمام توظيفه كما يجب، وهو القائل:((إننا نريد أن نصدر ثورتنا 4 ويردف: إننا نعنى بتصدير ثورتنا أن تستيقظ الشعوب كلها، وتستيقظ الدول فتخلص نفسها من هذا الغصب لمواردها ومخازنها ...)) ولو عدنا للوراء قليلا، وراجعنا درس لبنان لاستطعنا أن نكتشف سر عزيمة شباب المقاومة الإسلامية، وتضحياتهم، وهم الملتزمون بنهج الإمام، ومن تجربتهم، استلهم جيل المقاومة الفلسطيني الدرس، وتشكلت القناعة؛ وهي أن الكيان الغاصب، ونظامه العسكري، وأذرعه الأمنية أوهن من بيت العنكبوت، ولهذا كفروا بأرباع الحلول، وطاولات المفاوضات، واللجان الرباعية، وخرائط الطرق، واليوم هم يرددون مع أحد قادتهم 5((..نحن ندفن شهداءنا لا لنوارى أجسادهم التراب فقط بل لندفن معهم كل الأوهام، وكل الوعود الكاذبة بالسلام المزيف، وكل الرهانات الكاذبة على المفاوضات)) وعن تأثير حركة الإمام فلسطينيا حدث ولا حرج, وعلى حد تعبير الشهيد الشقاقي:6 ((.. فإن شعارات الإمام لاقت من الصدى في فلسطين ما لم يكن لها في أي مكان آخر...)) ويقول - رحمة الله عليه – ((قبله [أي الإمام ] كنا في حالة يأس، وأنه لا يمكن هزيمة هذا العدو المستكبر، وإزالة هذا الكيان الصهيوني, الإمام وبقيادته لهذا الانتصار المذهل في القرن العشرين أعطانا الأمل بأن الإسلام الذي اسقط الشاه يمكن أن يسقط بقية الشاهات، ويحرر فلسطين ...)).

وفي رمضان 1400هجرية، دعا الإمام المسلمين إلى اعتبار يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك يوم القدس العالمي، هو الذي يصادف ليلة القدر العظيمة؛ وعندما طرح مشروع الملك فهد الشهير(النسخة الأقدم لما عرف بالمبادرة العربية للسلام) قال الإمام موقفه الخالد: 7((..فالذين يرون نقاطا إيجابية في المشروع السعودي، عليهم أن يعلموا بأنه لو لم يكن فيه أي نقطة سلبية غير الاعتراف بإسرائيل، وضمان أمنها وكانت بقية النقاط إيجابية لكان ذلك هو الخلاف، ومعنى هذا إعطاء الأمان لإسرائيل..))7

وستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ وبكل امتنان الموقف الفريد للجماهير الإيرانية الرشيدة وهي تدوس بالأقدام نجمة الصهاينة محولة وكر الموساد التجسسي في طهران آنذاك سفارة لفلسطين، وهو معيار لتمايز الثورة الايرانية، وبعد نظر قيادتها، واختلافها عن كل الحراكات الأخرى المشبوهة في المنطقة.

هم الوحدة واستثمار الذكرى

استثمر الإمام الخميني ذكرى ولادة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله خير استثمار، معلنا أسبوع الوحدة الإسلامية، استطاع رحمه الله أن يستفيد من الخلاف حول موعد تاريخ هذه المناسبة بين جناحي الأمة المسلمة ليصيّر هذا الخلاف الذي كان يستغله بعض السطحيين لإحداث الشغب إلى أيام غبطة وسرور ومحبة وتوحيد للقلوب، فكانت الأيام الفاصلة بين رواية أهل السنة وتلك التي من طريق أهل البيت (عليهم السلام) أسبوعا لوحدة الأمة، حيث تقام الندوات والاحتفالات البهيجة فلا يذكر النبي ص ومناقبه إلا وتترافق الدعوات لنبذ الفرقة، والتمسك بالوحدة، لتكون أشد وقعا على النفوس المتعلقة بنبي الإسلام ص.

الحج الإبراهيمي

طيلة السنوات الماضية كان الإعلام المعادي يحاول تصوير الحجيج المحبين للإمام بالمشاغبين الذين يحاولون تخريب الشعائر، مع أن واقع الأمر أن اجتهاد الإمام الخميني، وفي عصر فقدت عبادة المسلمين معناها، عاد ليبعث فيها الروح من جديد، حول الحج أراد أن تعود مظاهرة الحجيج المليونية -سياسية عبادية- كان -رض- يرغب أن تضحي هذه المنظمة الإلهية مؤتمرا حاشدا تتجلى فيه معاني الولاء والبراء الصحيحين، الولاء للحق، والبراء من الظالمين المستكبرين، وبعد أن صرح بعض السطحيين بقولهم: لقد ولى زمن المشركين، فلا براءة بعد اليوم، الإمام رفض هذه النظرة الضيقة مشخصا بفكره الثاقب الشرك الجديد، ورأس حربته الشيطان الأكبر أمريكا وربيبتها إسرائيل، وكانت ضريبة هذا الموقف وهذا الانحياز لتعاليم الإسلام دما زكيا طاهرا من الإيرانيين والفلسطينيين واللبنانيين المؤمنين بهذا الاجتهاد الثاقب.

في بيت الإمام أخيرا

لقد فتنت بالإمام حقا، وذهلت من سيرته، ووفاء أنصاره، وليس هذا فقط، فقد طبعت صورة رجل الدين التي كنت أتأملها مرفقة آنذاك مع أخبار ايران بوجه عام، في أعماقي وجدران قلبي، جعلتني أقرأ رسالة ماجستير كاملة لأحد جيراننا من بيت "العواملة" قدمها لجامعة القاهرة حيث كان يدرس في مصر، ولم أكن قد بلغت الخامسة عشرة من عمري،  وللدرجة التي كنت أبكي وأنا أقرأ عنه، وأتابع أخباره ولم أبلغ الحلم بعد،  وأذكر أنني زرت السفارة الإيرانية في عمان للتعزية بـآية الله السيد محمد رضا الكلبيكاني، وبعده السيد أحمد الخميني واردا بين كبار الشخصيات بهيئتي الطفولية، وملابسي البسيطة، ما أحدث إرباكا داخل السفارة لم يؤثر على السفير حينها، الذي رحب بزيارتي وبادلني بالتحية واللطف، وبعد هذه السنين وقد يممت وجهي نحو الجمهورية الإسلامية لدراسة لغة الثورة الاسلامية(الفارسية) وفلسفة الإلهيات، وفقت لمناجاة ملهمي في مرقده المنور في الطريق بين طهران وقم، الذي أضحى مزاراً لكل المسلمين والأحرار ودعاة الاستقلال والحرية في شتى بقاع الأرض، وكذلك زيارة بيته المتواضع في قم المقدسة، نعم، كحلت النواظر برؤية بيت الإمام خلال زياتي قم المقدسة (135 كم عن طهران)، ملبيا نداء رغبة عارمة في داخلي، للاطلاع على طبيعية الدار التي كان يسكنها الرجل التاريخي الفذ، عاشق فلسطين وناشر راية الأقصى، فيها كان يلقي دروسه وخطاباته الثورية، وآخرها عام 1964م، ضد قانون الحصانة القضائية القانونية (كاپيتو لاسيون) والذي منح الأمريكيين على الأراضي الإيرانية آنذاك حصانه من المحاكمة، أفشل الإمام بتأييد شعبي جارف القانون لكنهم بعدها القوا القبض عليه، ونفوه من هذه الدار إلى تركيا ليعود بعد أكثر من عقد منتصرا بعد سقوط الشاه.

كل لبنة من لبنات(بيت العزة والكبرياء الإيراني) المبني من الطين البسيط، أحسست وكأنها تحدثني عن العابد العاشق لربه، وعن الحماس والمشاعر الجياشة التي كانت تثيرها كلماته في أبناء الشعب الإيراني.

لم يخلق لزمانه فقط

ونختم بكلمات قائد الجمهورية الإسلامية السيد الخامنئي- دام عزه- في حق الإمام: ((لقد قيل الكثير حول إمامنا العزيز، لكنني أعتقد أن من المبكر الآن أن نعرف نحن ويعرف المحللون العالميون إمامنا الجليل الفذ بشكل دقيق، وكامل، فهو شخصية عظيمة يندر وجود مثيل لها بعد الأنبياء والأولياء كثيرا.. لقد قام إمامنا الجليل الفذ بأعمال كبرى تتناسب ضخامتها مع عظمة الإمام نفسه ))8

الهوامش:

1- صحيفة النورج11 ص230

2- ثورة العشق الإلهي للعلامة الآملي ص129

3- القائد الخميني ص20 سلسلة الولاية

4- أنوار الطريق، نشر قسم العلاقات الخارجية – جهاد سازندكي

5- د . رمضان عبدالله أمين عام الجهاد الفلسطينية في عزاء الشهيد حمزة أبو الرب مجلة المجاهد عدد 360

6- ثورة الفقيه ودولته ص411

7- أنوار الطريق

8- عبرات وعبارات – اصدار المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية في بيروت.

*عبدالرحمن أبوسنينة.. باحث فلسطيني

 

تلفرام
اكتب تعليقاً
الإسم :
البريد الإلكتروني:
نص التعليق:
إرسال
اظهار التعليقات